أضيف في 11 أكتوبر 2012 الساعة 01 : 22

الحمد لله ( 2 )


طرحنا السؤال في الحلقة الماضية: كيف السبيل لحب الله ؟ فبحبه سبحانه الحب الجارف الذي يفوق كل حب لأي شيء كيفما كان هو الذي يجعل قلب العبد يخر له ساجدا قبل سجود الأعضاء ، فقد قيل : إن للقلب سجودا إذا تحقق لا يرفع منه ولا يلتفت أبد الآبدين. يا الله!!

إن أول الأسباب المولدة لحب الله تعالى ذكر النعم، ففطرة الإنسان إقتضت أن محبة العبد مصروفة لمن أحسن إليه، وجبلت النفوس على محبة من أسدى إليها المعروف، ولو كان يسيرا، ولو كان ماديا أو معنويا، ولو كان بابتسامة في وجه عبد صدت في وجهه الأبواب، ولو بكلمة طيبة....

فالعبد أسير من أحسن إليه، فلقد أثر عن علي رضي الله عنه قوله : أحسن إلى المرء تكن أميره، واحتج إليه تكن أسيره ، وساوه تكن نظيره.

من هنا كان لزاما على المسلم أن يلتفت إلى نعم الله التي أغرقه فيها من أخمص أقدامه إلى رأسه، فحتى تلك التي تصله عن طريق البشر، فمسخرها لك هو المنعم سبحانه ، فما بكم من نعمة فمن الله، ولذلك أثر عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قوله في دعائه المنبعث من قلب مشرب بحب الله تعالى حتى الأعماق: اللهم ما أصبح (أمسى) بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، من قالها ثلاث مرات حين يصبح وثلاثا حين يمسي من قلبه واعيا معناها فقد أدى شكر يومه بالتمام والكمال.

نعم لا بد من الالتفات إلى النعم فهي كثيرة ومتنوعة، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. خذ قلما وورقة كبيرة ثم دون النعم التي تعيشها الآن، وقارن بينك وبين ملايين البشر ممن حرم ما تتمتع به الآن، لترى كم أنت محظوظ، وكم هي ذرات الرحمات المسبوغة عليك من لدن متفضل كريم، أنظر أدنى منك حتى لا تزدري نعم الله عليك. في هذه اللحظة التي أخط فيها كلمات على بياض هذه الورقة : ألاف من النعم استحضرها يصعب حصرها: عقل ينبض بالحياة وأية حياة؟ قلب أغرقته نعم لا تعد ولا تحصى يشعر بالخجل أمام سيده ومولاه، بدنٌُ بملايير خلاياه تسبحه، أعضاء بكل تعقيداتها تقوم بوظائف غاية في التعقيد بيسر وسلاسة ، يد تقبض على القلم تتحرك بإرادة من صنعها وبانسجام مع عقل وقلب وجوارح في تكامل عجيب عجيب عجيب. ومداد نعمة أقسم بها الباري جل في علاه، فقلم بغير مداد، أو مداد بغير قلم، كعين بلا نور أو نور بلا عين، وكتيار بلا مشكاة وكمشكاة بلا تيار، وها هو الحق يقسم بهذا التناسق العجيب بين الحرف والقلم والمداد. "ن والقلم وما يسطرون" ألا ترى أن المقصود هو الحرف "ن"، ولذلك بدأ الله به، وإن الحرف هو نتاج قلم ومداد بيد إنسان يحركه لإنتاج أسطر، والأسطر تتضمن الأفكار، والأفكار هي نتيجة إرهاصات وتوترات داخلية تخرج صافية من بين فرث ودم تارة كلما كان دافعها الخير ورافع لواءها ملك كريم جاثم على الجزء المستنير من قلبه، أو تخرج تارة أخرى مظلمة هدامة إذا كان دافعها الشر ورافع لواءها شيطان رجيم مستحوذ على الجزء المظلم من أمير الجوارح القلب. نعم ونعم ونعم، هواء تتنفس لو قبضه الله تعالى برهة من الزمن لاختنق البشر.

ماء زلال لو جف بلعومه واحتاج إلى كوب يبلل ريقه لهلك. أرض ممهدة وجبال وسماء وشمس وقمر...

قصدي قبل الحديث عن النعم وهو أول الشكر أن تلتفت إليها وتعرفها. كم استمع إلى شكاوى الناس وهم يمشون والملايير تحفهم من كل جانب، بصر حاد لو عرضه في سوق المزايدات لأعطي في شبكة عينه الملايين، وكلوة لو باعها لحصل على أكثر من ذلك ....

أراد أحد الأئمة أن يلفت نظر الأمير هارون الرشيد إلى ما يرفل فيه من حلل النعم والآلاء العظيمة الجسيمة فقال: تخيل أيها الأمير أنك كنت تسير في رحلة تقطع فيها الفيافي تحت وهج شمس محرقة، فنفذ الماء، فأوشكت على الهلكة من شدة العطش، فوجدت شخصا معه كوب من الماء فبكم ستشتريه أيها الأمير؟ قال: بنصف ملكي.

قال: تخيل أيها الأمير أنك شربته، فلما زاحمك رحت لتتخلص منه، فأصبت بالاحصار، فانسدت المسالك والقنوات البولية، وصرت تصرخ من شدة الألم فصادف أن وجدت خبيرا بعلاج الاحصار وفتح تلك المسالك، فكم تعطيه ليقوم بهذا الإجراء، قال بنصف ملكي الباقي.

قال العالم العارف ابن السماك رحمه الله تعالى: " مُلك الأمير يساوي بولة ".

نعم، هي نعمة ما يتفطن لها إلا القليل، فلقد كان الحبيب عليه الصلاة و السلام إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي إذا أذاقني لذته وأبقى في قوته ودفع عني أداه...

جاء رجل إلى إبن أدهم فقال: لقد أسرفت على نفسي، فهل تراني أجد عندك من دواء؟ قال لك عندي خمس إن عملت بها، وصبرت على تنفيذها، أرجو لك حسن العقبى، قال الرجل: هات ما عندك.

قال إبراهيم إبن أدهم: إذا حدثتك نفسك بالمعاصي فلا تأكل من رزق الله، قال الرجل: وكيف وكل ما في الكون سماء وأرضا بحرا و ما وتحت الثرى من رزق الله، قال إبراهيم: أتأكل من رزق الله وتعصاه؟ ألا تستحيي منه؟

قال: هات الثانية. قال ابن أدهم: إذا حدثك نفسك بمعصية الله فلا تسكن في ملكه، قال: وهذه أشد، فكل ملك لله، قال: أيجمل بك يا ابن آدم أن تأكل من رزقه وتسكن في ملكه وتعصيه؟ ما أشقاك يا ابن آدم! وما أحمله عليك!

قال: هات الثالثة: قال إبراهيم: إذا حدثتك نفسك بمعصية الله تعالى، فأنظر مكانا تعصه فيه لا يراك فيه. قال: كيف وهو معكم أينما كنتم، ويعلم السر وأخفى، قال إبراهيم: أيجمل بك أن تعصه وأنت تأكل من رزقه وتسكن في ملكه وإذا شرعت في معصية فأنت تحت بصره وسمعه، يسمعك ويراك؟...

قال بعد الخامسة حسبك، حسبك، فلزم صحبة إبراهيم حتى مات على خير.... لذلك لم يكن صدفة أن لا يقبل الله تعالى مناجاة العبد في الصلوات المكتوبات والتطوعية إلا إذا قرأ سورة الفاتحة، ألا تدري ما الذي افتتحت به سورة الفاتحة؟ أول آية: الحمد لله رب العالمين.

قال الله تعالى فيما يرويه عنه النبي صلى الله عليه وسلم: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي. إنك تعبده وتناجيه، وتثني عليه، وتركع وتسجد وتخشع لأنك تتذكر بهذا الثناء نعم الله تعالى التي أغرقك فيها، فبقدر استشعار نعم الله عليك، بقدر حياء القلب منه، بل وحبه والفناء في طاعته وخدمة دينه وعباده، فإذا رفع من الركوع في هيئة من اثقلت النعم ظهره، تذكر توفيقه لنعمة منجاته فقال سمع الله لمن حمده، ثم يتبعها: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت (من نعم) ولا معطي لما منعت (من نعم) ولا راد لما قضيت ولا ينفع ذا الجد منك الجد...

ولذلك كان أفضل الذكر في ديننا لا إله إلا الله (1) وأفضل الدعاء الحمد لله (2) فالحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض... خمس سور في القرآن تفتتح بالحمد لله.

الأولى الفاتحة وهي أم الكتاب: (الحمد لله رب العالمين)

والثانية سورة الأنعام التي نزل معها 70 ألف ملك يشيعونها: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور)

والثالثة سورة الكهف، ورد المؤمنين يوم الجمعة: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب..)

والرابعة سورة سبأ (الحمد لله الذي له ما في السموات والأرض، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيم الخبير).

والخامسة سورة فاطر (الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير).

فالحمد لله رب العالمين الذي خلق السموات والأرض، فاطر السموات والأرض له ما في السموات والأرض الذي جعل الظلمات والنور وأنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عواجا بواسطة رسل أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وله الحمد في الآخرة وهو على كل شيء قدير وهو الحكيم الخبير...

فلأن نعم الله عظيمة، فالعبد لضعفه وعجزه لا يستطيع أن يلهم كلمة شاملة جامعة للثناء عليه وشكره، فكان من نعمة الله على الخلق أن هداهم لحمده بهذه الجملة العظيمة، وهذه نعمة أخرى تستوجب الثناء ، فالحمد لله على نعمه، والحمد لله أن آلهمتنا و أرشدتنا إلى كيفية حمدك والثناء عليك، فالحمد لله ملء السموات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيئ بعد.

في الحلقة القادمة سنتحدث عن أصول هذه النعم.