أضيف في 11 أكتوبر 2012 الساعة 59 : 21

الناس مع نعم الله صنوف


يذكر الله تعالى عباده بنعمه عليهم، وها هو سبحانه يمتن على خيرة خلقه سيدنا:" محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول له

يذكر الله تعالى عباده بنعمه عليهم، وها هو سبحانه يمتن على خيرة خلقه سيدنا:" محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول له :"وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما" وتذكير لحبيبه صلى الله عليه وسلم لنعم أسبغها عليه قبل أن يمن عليه بالرسالة فقال له: "لم يجدك يتيما فآوى ، ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى" ويختم سورة الضحى بتوجيه الله تعالى حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم إلى التحدث بنعمة الله تعالى، قال عز من قائل: "وأما بنعمة ربك فحدث."

قال عليه الصلاة والسلام: التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومن لم يشكر على القليل، لم يشكر على الكثير...

فهو عليه الصلاة والسلام يؤكد على ضرورة التحدث بنعمة الله تعالى في سنته القولية، فتراه متجاوبا مع هذا الأمر، فيقول عن نفسه في معرض ذكر نعم الله عليه: "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورأت أمي حين وضعتني نورا خرج منها أضاءت له قصور بصرى الشام"، ويقول: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر..." ويعود صلى الله عليه وسلم بذاكرته إلى أيام صباه الكريمة فيقول متحدثا بنعمة الله عليه: "كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة"، أي كيف كان وإلى حيث صار...

وهكذا هو ديدن الأنبياء والمرسلين من قبل، كما قال الحق تبارك وتعالى عن سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حين رأى عرش ملكة سبإ أمامه:" فلما رآه مستقرا عنده قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم"، وقبل ذلك حينما سمع نصيحة النملة لبني جنسها بأن يلزموا مساكنهم حتى ،لا يحطمنهم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون: قال: "فتبتسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين".

جريا على هذا المنوال، أمرت خير الامم أن تتحدث هي الأخرى بنعمة الله عليها في صيغة الجمع، فهي الأمة المرحومة والأمة الشاهدة على الامم، والأمة الوسط، وأمة التوحيد .أفرادها هم الأولون دخولا للجنة، الآخرون ابتعاثا،وامرت أن تتحدث بنعم الله على مستوى كل فرد فيها...كذالك

واللافت أن الله يأمر بني إسرائيل أن تذكر نعمة الله عليها إذ جعل فيها أنبياء، وجعلهم ملوكا، فقال عز من قائل (يابني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) في حين خاطب المولى تبارك اسمه وتعالى جده أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم بقوله:" فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون.."

وهذه مرتبة خاصة بهذه الأمة، فهي لا تحتاج لرؤية النعم حتى تذكر المنعم، انها ترى الله تعالى قبل النعمة ومع النعمة وبعد النعمة على خلاف بني إسرائيل الذين أشربوا حب الدنيا، تجدنهم أحرص الناس على حياة، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، لا يتمنون الموت مخافة لقاء الكريم سبحانه، مأمورون من قبل الحق أن يذكروا مصدر النعم الحافة بهم من كل جانب.

وعلى هذا ينقسم الناس إزاء التحدث بنعمة الله إلى أقسام:

1_من الناس من لا يذكرها، ولا يراها، ينكرها وهو غارق فيها لا يستشعرها إلا إذا فقدها فهذا بليد الحس جحود كنود يعيش وقد سدت منافذ الإدراك عنده، أقرب للمعتوه، وما هو بمعتوه....

2_هناك من يذكرها لكن ينسبها لنفسه، فالذكاء ذكاؤه، والشطارة شطارته، فالكنز الذي أوتيه يقول فيه:" إنما أوتيته على علم عندي،" والجنتان يصرخ منتقصا صاحبه وهو يحاوره قائلا: "أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" وقال آخر: "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي" وقال جحود النعم إبليس "أنا خير منه"..

3_ وآخرون نظروا إلى نعم الله تعالى تترى، ففتنوا بها، وشغلوا بملذاتها، فبدل أن تذكرهم النعم بالمنعم جل جلاله ،ملأت عليهم أفئدتهم، وظنوها جنة لا تفنى ولا تبيد، وأنها سريعة الانصرام، فقالوا: "تعالوا نغتنم أيامنا للتمتع بكل مالذ وطاب من مباهج الحياة" فشربوا من كأسها حتى الثمالة، فأسكرتهم بحلاوتها الزائلة، فلم يستفيقوا إلا ووقع الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم يقولون: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تفسقون".(الاحقاف)

وهؤلاء السكارى المخمورون بلذائذ شهوات البطن والفرج صنفان:

-الكفار: فالدنيا جنة الكافر، فهو يسارع فيها لإشباع رغباته الجامحة بأقصى ما يستطيع، فهي غايته وديدنه، وفلسفة الحياة عنده: "تمتع ثم تمتع ثم تمتع، ولا تلفت فإن ذلك يلهيك، ويفوت عليك لحظات لا يمكن استردادها، لاهم له إلا الدوران حول ذاته، هي الأنانية والأثرة شغلته عن مجرد النظر إلى الآخرين من بني جلدته كم يعانون؛ لا بل تهرم أمه إن كان يعرف أن له أما أصلا أين تقيم، بل رأينا بعضهم يعرض زوجته في برنامج عبر قناة على طلاب الجنس بقدر من المال تحدده مزايدات سوق النخاسة في عالم التمدن والتحضر، لا لشيء سوى لحاجته إلى المال ثم المال ثم المال، وهؤلاء قال فيهم عز من قائل: "الذين كفروا يتمتعون، ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم. "

-المتمسلمون: أو المدعون للإسلام والذي تحتاج دعواهم تلك إلى برهان، برهان سرعان ما ينكشف حين ترى هذه الأصناف، رغم ما تظهره من نسك واحتفالية برسوم العبادات يبيعون في لحظة دينهم بعرض من الدنيا قليل، من أجل متعة زائلة، رأيتهم يفسخون عقدة النكاح مع زوجاتهم، ويعقدون لهن مع أغراب من بلاد الغرب، ويسمحون لهن بالسفر معهم، ممنين النفس أن تحصل زوجاتهم أو بناتهم أو أخواتهم أو عماتهم أو خالاتهم على أوراق الإقامة في بلاد العم سام، ليحصلوا على فرصة إلحاق أزواجهم لتلك الأرض التي قد تحصل وغالبا ما لا تحصل...

وفي هؤلاء قال عز من قائل: "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون"(هود)

4-وهناك صنف أجمل في طلب حلالها بضوابط الشرع من غير تفريط ولا إفراط، و التمسها وسيلة للغاية العظمى التي من أجلها خلق، وبلغة السائر في طريق الحق، فإن رآها تثقل عليه في فترة ما، تخفف منها حتى لا يعوزه المسير، جعلوها آلة في اليد تأتمر بأمر قلب شاهد آلاء الله السابغات لا يأمرها إلا بما يأمره صاحب النعمة عليه فأراح واستراح... وهؤلاء قال تعالى فيهم: "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك"(القصص)

5-وصنف ارتقى وارتقى وتحول كل شيء يعترضه في حياته من مسرات ومضرات من شدة و رخاء، من يسر و عسر، من انتصار وانكسار، من فقر وغنى تحول كل شيء عنده إلى نعم ما دامت تأتي مضمخة بأريج عطايا الملك المتفضل العزيز. يُسر بالمصيبة سروره بالعطية، ما دامتا من هبات اللطيف، وهاهو الحبيب صلى الله عليه وسلم يهتف إلى ربه بهذا النداء الحبيب، والرزايا تتناوشه من كل جانب هناك في الطائف حين لقي ما لقي من لأواء وصدود وأعراض وأذى قل نظيره:" إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي" وهاهو الإمام أحمد يرد على تلامذته ساعة بكائهم من فرط ما رأوا من قسوة الجلاد تصب على ظهر الإمام الصنديد وهو يقابل جلاديه بابتسامة حانيه قائلا: "كنتم تبكون لأنكم كنتم تنظرون إلى يد الجلاد، وكنت أبتسم لأني كنت أنظر إلى يد الجواد". وقال آخر كسيح لا يتحرك، أعمى لا يبصر، شريد لا مأوى له، وحيد لا مرافق له، معدم لا زاد له هو ذاهل عن كل ذلك، مستغرق في لحظة شهود لآلاء الله عليه، لاتبصرها عيون كعيوننا وهو يثني على ربي قائلا: الحمد لله الذي أنعمت علي، بنعم لم تنعم بمثلها على غيري. فاقترب منه بعض الفضوليين سائلا : أراك على سوء ما يرى عليه مخلوق ،فعلى أي شيئ تحمد الله؟ قال:" رزقني حبيبي لسانا ذاكرا، وقلبا شاكرا، وبدنا على البلاء صابرا" اللهّّ هؤلاء حجة الله على خلقه، إذا ذكرت خلالهم، ذكر الله، جعلنا يارب ممن أحبهم، وسار على نهجهم، وحشر في زمر تهم.آمين

بقلم: الشيخ عبد الله نهاري