مقالات

والداك جنتك او نارك

 

بسم الله الرحمان الرحيم
والداك جنتك او نارك ، والدك أوسط ابواب الجنة ، ان شئت فافتحه او اغلقه ! و الوالدة تحت اقدامها الجنة .
رضى الله من رضائهما و سخطه من سخطهما . من ادرك والديه او احدهما فلم يدخله بره بهما الجنة فذاك الشقي المحروم ، و الايات و الاحاديث كثير ة في هذا الباب .
بر الوالدين عبادة اجتماعية قرنها المولى جل في علاه بتوحيده . فمن اطاع الله و عق والديه ردت عليه طاعته لله ، و من اطاع والديه و عصى ربه رد عليه بره بوالديه ، فهما طاعتان مقرونتان لا تفترقان إما ان يؤديهما معا او يتركهما معا ، و الشاهد قوله تعالى : ‘ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ‘ .
لما علم السلف الصالح منزلة هذه القربة تنافسوا في إبراز اسمى صور البر مع الوالدين ، فهذا زين الدين علي بن الحسين رضي الله عنهما كان يتجنب الاكل مع امه في صحفة واحدة ، فلما سئل عن سر ذلك اجاب : * اخشى ان تسبق يدي الى ما سبق عينها اليه فاكون عاقا * ، و هذا رجل من اليمن حمل امه على عاتقه متوجها الى البيت الحرام لتأدية مناسك الحج ، و بينما هو يطوف إذ استوقفه عبد الله بن عمر ، فاخبره الرجل بان هته التي على عاتقه هي امه فهل تراني اديت حقها ؟ فقال بن عمر رضي الله عنه : * لا ، و لا طلقة عند زحمة الولادة ، و لكن الله يجزل الثواب العظيم مقابل العمل القليل * .
انظر رحمك الله إلى حالنا اليوم كيف اصبح الولد سيدا على ابيه ، و البنت الآمرة المطاعة لامها ، تماما كما اخبر النبي عليه السلام و عد هذا الامر من علامات الساعة حين اشار الى الامة تلد ربتها .. و هو تلميح لكثرة العقوق عند آخر الزمان حيث تتحول الام الى أَمَة و البنت ربةً لها تتحكم فيها تنهرها ، و لا تبالي بها ، حضرت ام غابت ، اكلت ام جاعت ، نامت او سهرت ، و لا حول و لا قوت الا بالله .
تطالعك الاخبار كل صباح ، بفواقر تهد الجبال هدا ، كيف و انت تسمع ان ولدا عاقا قتل والديه ، او ضربهما ، او في احسن الاحوال تخلص منهما بوضعهما في دار العجزة و المسنين .
حدثني من اثق فيه ان رجلا ميسور الحال اصطحب هو و زوجته امه لدار العجزة ، فراجعه المدير محاولا اقناعه بان من الشماتة فعل ذلك ، لاكرم مخلوق على وجه الارض ، فلما بدات علامات الاقتناع تظهر على محياه ، اومأت اليه زوجته و نظرت إليه شزرا ،فاستسلم الشقي لنزغات شياطين الانس و الجن ، فقرر تركها هناك و غادر المحروم المكان مهموما مدحورا .
لم يزرها مدة طويلة خوفا من زوجته ، و بعد تسعة اشهر استيقض ضميره ، فاسرع لزيارتها ، و هناك جوبه بصدمة حينما اخبر ان الوالدة ماتت ثلاثة اشهر خلت ، و تحت وقع الصدمة توسل الى المدير ان يريه قبرها ، فاخبره المدير ان امك و هي تحتضر حملتني امانة ان اخبرك ان لا ادلك على قبرها قط ، و انها ماتت ساخطة عليك ، فان كنت قد عققتها انت ، فلن اعقها . تراه هل ينفعه الندم او البكاء ؟
إن الله امرنا في كلامه المعجز ببر الآباء و لخصه في مسالتين :
1} البر بالقول : ‘فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ’ ، بل نهتم لما يقولون و نصغي لما يتحدثون ، و لا نتأفف عما يصدر منهما مهما رايته تافها .
الآباء يرودون ان يقنعوا انفسهم في خريف حياتهم ان ابناءهم يهتمون بهم ، و يسمعون لهم ، فكم من شاب سرعان ما يتأفف و يضيق صدره إذا استرسل الوالد يخبر تاريخه، فيجابهه الولد بصوت مرتفع بانه طالما استمع لهذا الكلام المكرر ، فيقهره حتى تنحبس الكلمات على لسانه فيقرر الصوم عن الكلام .
لا شك ان الكثير في الشبكة العنكبوتية رجلا طاعنا في السن مع ابنه الشاب في حديقة ، فانهمك الشاب في قراءة الجريدة ، و اذا باصوات العصافير تملأ الأجواء حبورا ، فيتعمد الوالد ان يسأل ابنه 4 مرات :ـ لمن تلك الاصوات ؟ـ فيجيب في الاولى بهدوء ، و في الثانية بقلق ، و بالثالثة بانزعاج ، و في الرابعة يصرخ في وجه ابيه قائلا : ـ ألم تسمع قلت لك مرارا انها اصوات عصافير . الا تفهم ؟ ـ .
هناك قام الوالد العجوز يمشي الهوينا تجاه حقيبته فاخرج منها مذكرة قديمة عاد بها الى ابنه ، فقال له و هو يقلب اوراق المذكرة بصوت حنون حزين : ـ إصطحبتك يا ولدي إلى هذا المكان و انت صغير بالضبت ، و كنت في كل مرة تسالني عن هذه الاصوات لمن تكون ، فاجبتك عن نفس السؤال سبعين مرة ، و في كل مرة اجيبك بانشراح اكبر و حبور اعظم متمنيا ان تسترسل في سؤالك حتى كنت انت من يتوقف ، فاذا بك اليوم و قد كبرت لم تتحمل مني هذا السؤال ثلاث مرات ؟!
هنا فقط فهم الابن الدرس ، و القى بالجريدة المشؤومة ، و اكب يقبل راس والده و يده يعتذر و يستعتب .
فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً : تختار احسن الالفاظ ، فادخال السرور على المسلم يستوجب الجنة ، فكيف بمن يدخل السرور على ابويه
2} البر بالسلوك : ‘ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ‘ : فإذا طالت ريش جناحيك ــ وظيفة سامية ادركتها ، مال وفير حصلته ، جاه بلغته ، منصب كبير جلست عليه … ــ كسر كل ذلك ، و ٱت و الديك كما كنت و ستبقى ابنا بارا متواضعا رحيما بهما ، تمشي ورائهما ، و تقبل يديهما ، و تسندهما إذا وقفا ، تناولهما الحذاء ، و تفتح لهما باب السيارة عند همهما بالركوب ، تسعى في خدمتهما بالليل و النهار ، تحظر وضوءهما . اما إذا الزمهما عجزهما إلى الفراش ، ضاعفت جهادك فكنت خادمهما تقوم على خدمتهما … اليسا هما جنتك ؟
جاء رجل الى رسول الله عليه السلام يريد ان يحظى بشرف الجهاد معه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : ‘ الك والدان او احدهما ؟ قال : نعم . فقال عليه الصلاة و السلام : كيف تركتهما ؟ . قال : تركتهما يبكيان . فقال صلى الله عليه و سلم : ارجع اليهما فاضحكهما كما ابكيتهما ، ففيهما فجاهد ‘.
إذا فعلت ذالك فانت البار بهما ، تسعد برفقتهما و خدمتهما ، و تعتبر مجرد النظر إلى وجههما عبادة ، تستوحش لفقدهما ، و تذكرهما ابدا بعد رحيلهما ، فتستغرق بالدعاء الخالد لهما :(وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا&lrm)
رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا&lrm ،
آمين .

مع تحيات عبد الله نهاري ، و في كل يوم انتم إلى الله اقرب .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *